صبحي الصالح

88

مباحث في علوم القرآن

خلال رحلاته الكثيرة « 1 » غير أن كازانوفا - بعد إيراده تلك المعلومات الدقيقة المفيدة - لا يلبث أن يصرح بارتيابه بقيمتها التاريخية ، وإذا هو يأتي بأغرب رأي وأجرئه في عالم الدراسات القرآنية ، فما جمع عثمان للمصحف - في نظره - إلا قصة وهمية أحكم نسجها في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان توطئة للمبالغة في شأن التحسينات التي أدخلت على رسم المصاحف في عهد الخليفة المذكور « 2 » . وأعجب من هذا كلّه أن كازانوفا لا يتورع عن المجازفة بإلقاء حكم صبياني لا يوافقه عليه عاقل بين الناس ، حتى ولا إخوانه المستشرقون « 3 » ، فيجعل الحجّاج بن يوسف الثقفي أول جامع للقرآن « 4 » . وقد صرح بلاشير بعقم هذا الرأي وفساده فقال : « لا يمكننا قط أن نتابع كازانوفا على هذا الزعم الجريء الذي تنقصه النصوص الثابتة » « 5 » . هذا ، ومن المعروف أن ابن كثير « 6 » - وهو من علماء القرن الثامن الهجري - قد رأى مصحف الشام ، فهو يقول في كتابه « فضائل القرآن » : « أما المصاحف العثمانية الأئمّة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر اللّه ، وقد كان قديما بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود سنة 518 ه ، وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما بخط حسن مبين قوي ، بحبر محكم ، في رق أظنّه من جلود الإبل » « 7 » . ويبدو كذلك أن ابن الجزري صاحب « النشر في القراءات العشر » وابن فضل

--> ( 1 ) casanova , op , cit . , 130 - 139 ( 2 ) casanova , op . cit . 141 ( 3 ) انظر على سبيل المثال ( blachere , intr . cor . , p . 92 ) ( 4 ) cassanova , op . cit . p . 127 ( 5 ) وانظر بقية استدلاله على خطأ هذا الرأي في ( blachere , intr . cor . p . 68 ) ( 6 ) ابن كثير هو إسماعيل بن عمر بن كثير ، عماد الدين أبو الفداء . حافظ مؤرخ فقيه . له تفسير القرآن ، والبداية والنهاية في التاريخ ، وكثير من المؤلفات القيمة . توفي سنة 774 ه ( الأعلام 1 / 109 ) وسيرد ذكره في مبحث ( التفسير ) . ( 7 ) فضائل القرآن ص 49 ط . المنار سنة 1348 .